محمد بن جرير الطبري
363
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
خرفت والله يا عمرو ! ثم اقبل على أهل الحيرة فقال : ا لم يبلغني انكم خبثه خدعه مكره ! فما لكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدرى من اين جاء ! فتجاهل له عمرو ، وأحب ان يريه من نفسه ما يعرف به عقله ، ويستدل به على صحه ما حدثه به ، فقال : وحقك أيها الأمير ، انى لأعرف من اين جئت ؟ قال : فمن اين جئت ؟ قال : أقرب أم ابعد ؟ قال : ما شئت ، قال : من بطن أمي ، قال : فأين تريد ؟ قال : امامي ، قال : وما هو ؟ قال : الآخرة قال : فمن اين أقصى اثرك ؟ قال : من صلب أبى ، قال : ففيم أنت ؟ قال : في ثيابي ، قال : ا تعقل ؟ قال : اى والله وأقيد قال : فوجده حين فره عضا ، وكان أهل قريته اعلم به - فقال خالد : قتلت ارض جاهلها ، وقتل أرضا عالمها ، والقوم اعلم بما فيهم فقال عمرو : أيها الأمير النملة اعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النملة وشاركهم في هذا الحديث من هذا المكان محمد بن أبي السفر ، عن ذي الجوشن الضبابي ، واما الزهري فإنه حدثنا به ، فقال : شاركهم في هذا الحديث رجل من الضباب . قالوا : وكان مع ابن بقيله منصف له فعلق كيسا في حقوه ، فتناول خالد الكيس ، ونثر ما فيه في راحته ، فقال : ما هذا يا عمرو ؟ قال : هذا وأمانه الله سم ساعة ، قال : لم تحتقب السم ؟ قال : خشيت ان تكونوا على غير ما رايت ، وقد اتيت على اجلى ، والموت أحب إلى من مكروه ادخله على قومي وأهل قريتي فقال خالد : انها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها ، وقال : بسم الله خير الأسماء ، رب الأرض ورب السماء ، الذي ليس يضر مع اسمه داء ، الرحمن الرحيم فاهووا اليه ليمنعوه منه ، وبادرهم فابتلعه ، فقال عمرو : والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن واقبل على أهل الحيرة ، فقال : لم أر كاليوم امرا أوضح إقبالا !